محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
348
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك . ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك . هذا تقبيح لأحوال المستدلّين على ربّهم ، وهم أصحاب النظر والاستدلال بالنسبة إلى أهل المقام الآخر ، وهم أرباب الشهود والعيان . قال أبو بكر محمد بن علي الكتانيّ ، رضي اللّه تعالى عنه : « وجود العطاء من الحق شهود الخلق بالحق ؛ لأن الحق دليل على كل شيء ، ولا يكون شيء دونه دليلا عليه » . قال في « لطائف المنن » : « وأرباب الدليل والبرهان عوام عند أهل الشهود والعيان ، قدّسوا الحقّ في ظهوره أن يحتاج إلى دليل عليه ، وكيف يحتاج إلى دليل من نصب الدليل ، وكيف يكون معرفا به وهو المعرّف له » . قال الشيخ أبو الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه : « كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ، أم كيف يعرف بشيء من سبق وجوده وجود كل شيء » . وقال مريد لشيخه : يا أستاذ ، أين اللّه ؟ فقال له : « ويحك ! أيطلب مع العين أين ! ! » . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ شتان بين من يستدلّ به ومن يستدل عليه ] . إلهي : عميت عين لا تراك عليها رقيبا . الرقيب : الحفيظ ؛ فمن رأى اللّه تعالى رقيبا عليه يعلم جميع أحواله ولا يخفى عليه منها شيء استحيا منه ، وهابه أن يراه على ما يكرهه منه . وقد قيل : « إذا عصيت مولاك فاعصه بموضع لا يراك » . ومن لم يكن على هذا الوصف وغفل عن نظر اللّه تعالى إليه عميت عين بصيرته ، فبارز اللّه تعالى بأنواع القبائح والفضائح من غير اكتراث ولا مبالاة . وقد سئل بعضهم : « بم يستعين الرجل على حفظ بصره من المحظورات ؟ قال : بعلمه بأن رؤية الحقّ سبحانه له تسبق نظره إلى تلك المحظورات » وقال اللّه عزّ وجل : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [ يونس : 61 ] . قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « خوفهم بما عرّفهم من اطلاعه عليهم في جميع أحوالهم ، ورؤيته لما يسلفونه من فنون أعمالهم ، والعلم بأنه يراهم يوجب استحياءهم منه » .